العيني

35

عمدة القاري

هذا التعليق وصله محمد بن إسحاق الفاكهي في ( أخبار مكة ) بسند صحيح إلى عطاء بن أبي رباح أنه كان لا يرى بأساً بالانتفاع بشعور الناس التي تحلق بمني ، ولم يقف الكرماني على هذا حتى قال : الظاهر أن عطاء هو ابن أبي رباح . قوله : ( ان يتخذ ) بفتح : أن ، بدلاً من الضمير المجرور في : به ، كما في قوله : مررت به المسكين ، أي : لا يرى بأساً باتخاذ الخيوط من الشعر . وفي بعض النسخ لم يوجد لفظ : به ، وهو ظاهر . قوله : الخيوط ، جمع خيط ، و : الحبال ، جمع حبل ، والفرق بينهما بالرقة والغلظ ، ويروى عن عطاء أن نجس الشعر ، وقال ابن بطال : أراد البخاري بهذه الترجمة رد قول الشافعي : إن شعر الانسان إذا فارق الجسد نجس ، وإذا وقع في الماء نجسه ، إذ لو كان نجساً لما جاز اتخاذه خيوطاً وحبالاٌ . ومذهب أبي حنيفة أنه طاهر ، وكذا شعر الميتة والأجزاء الصلبة التي لا دم فيها : كالقرون والعظم والسن والحافر والظلف والخف والشعر والوبر والصوف والعصب والريش والإنفحة الصلبة ، قاله في ( البدائع ) . وكذا من الآدمي على الأصح ، ذكره في ( المحيط ) و ( التحفة ) وفي ( قاضيخان ) على الصحيح : ليست بنجسة عندنا ، وقد وافقنا على صوفها ووبرها وشعرها وريشها مالك وأحمد وإسحاق والمزني ، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز والحسن وحماد وداود في العظم أيضا . وقال النووي في ( شرح المهذب ) : حكى العبدري عن الحسن وعطاء والأوزاعي والليث : إنها تنجس بالموت ، لكن تطهر بالغسل . وعن القاضي أبي الطيب : الشعر والصوف والوبر والعظم والقرن والظلف تحلها الحياة وتنجس بالموت ، هذا هو المذهب ، وهو الذي رواه المزني والبويطي والربيع وحرملة عن الشافعي ، وروى إبراهيم البكري عن المزني عن الشافعي أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي ، وحكاه أيضاً الماوردي عن ابن شريح عن القاسم الأنماطي عن المزني عن الشافعي ، وحكى الربيع الجيزي عن الشافعي أن الشعر تابع للجلد يطهر بطهارته وينجس بنجاسته ، قال : وأما شعر النبي ، عليه الصلاة والسلام ، فالمذهب الصحيح القطع بطهارته . وقال الإسماعيلي : في الشعر خلاف ، فإن عطاء يروى عنه أنه نجسه . قلت : يشير بذلك إلى أن استدلال البخاري بما روى عن عطاء في طهارة الماء الذي يغسل به الشعر نظر ، ثم قال : ورأى ابن المبارك رجلاً أخذ شعرة من لحيته ثم جعلها في فيه ، فقال له : مه ، أترد الميتة إلى فيك ؟ فاما شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مكرم معظم خارج عن هذا . قلت : قول الماوردي : واما شعر النبي صلى الله عليه وسلم فالمذهب الصحيح القطع بطهارته ، يدل على أن لهم قولاً بغير ذلك ، فنعوذ بالله من ذلك القول . وقد اخترق بعض الشافعية ، وكاد أن يخرج عن دائرة الإسلام ، حيث قال : وفي شعر النبي صلى الله عليه وسلم وجهان ، وحاشا شعر النبي ، عليه الصلاة والسلام ، من ذلك ، وكيف قال هذا وقد قيل بطهارة فضلاته فضلا عن شعره الكريم ؟ وقد قال الماوردي : إنما قسم النبي ، عليه الصلاة والسلام ، شرعه للتبرك ، ولا يتوقف التبرك على كونه طاهراً . قلت : هذا أشنع من ذلك ، وقال كثير من الشافعية نحو ذلك ، ثم قالوا : الذي أخذ كان يسيراً معفواً عنه . قلت : هذا أقبح من الكل ، وغرضهم من ذلك تمشية مذهبهم في تنجيس شعر بني آدم ، فلما أورد عليهم شعر النبي ، عليه الصلاة والسلام . أولوا هذه التأويلات الفاسدة ، وقال بعض شراح البخاري في بوله وذنه وجهان والأليق الطهارة وذكر القاضي حسين في العذرة وجهين ، وأنكر بعضهم على الغزالي حكايتهما فيها ، وزعم نجاستها بالاتفاق . قلت : يا للغزالي من هفوات حتى في تعلقات النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وقد وردت أحاديث كثيرة أن جماعة شربوا دم النبي ، عليه الصلاة والسلام ، منهم أبو طيبة الحجام ، وغلام من قريش حجم النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وعبد الله بن الزبير شرب دم النبي ، عليه الصلاة والسلام ، رواه البزار والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في ( الحلية ) . ويروى عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، أنه شرب دم النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وروي أيضاً أن أم أيمن شربت بول النبي صلى الله عليه وسلم ، رواه الحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم ، وأخرج الطبراني في ( الأوسط ) في رواية سلمى امرأة أبي رافع أنها شربت بعض ماء غسل به رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، فقال لها حرم الله بدنك على النار . وقال بعضهم : الحق أن حكم النبي ، عليه الصلاة والسلام ، كحكم جميع المكلفين في الأحكام التكليفية : إلاَّ فيما يخص بدليل . قلت : يلزم من هذا أن يكون الناس مساويين للنبي ، عليه الصلاة والسلام ، ولا يقول بذلك إلاَّ جاهل غبي ، وأين مرتبته من مراتب الناس ؟ ولا يلزم أن يكون دليل الخصوص بالنقل دائماً ، والعقل له مدخل في تميز النبي ، عليه الصلاة والسلام ، من غيره في مثل هذه الأشياء ، وأنا اعتقد أنه لا يقاس عليه غيره ، وإن قالوا غير ذلك فاذني عنه صماء .